جلال الدين السيوطي
96
التحبير في علم التفسير
ومن رسخ قدمه في معرفة موادّ العرب واستعمالاتها وفنون اللّغة ورزق فهما وبصيرة لم يخف عليه الجمع بين الآيات المشكلة . وقد روي أن ابن عباس توقّف في بعض ذلك فروى أبو عبيد : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال : سأل رجل ابن عباس عن : يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [ ( 32 ) السجدة : 5 ] فقال له ابن عبّاس : فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ ( 70 ) المعارج : 4 ] ؟ فقال الرّجل : إنّما سألتك لتحدّثني فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما اللّه في كتابه اللّه أعلم بهما . النّوع السّابع والثّامن والأربعون : المجمل والمبيّن المجمل : ما لم تتّضح دلالته ، ومنع داود الظّاهريّ وقوعه في القرآن وعلى الأصح في جواز إبقائه على إجماله ثلاثة أقوال : أصحّها : لا يجوز إبقاء المكلّف بالعمل به ، ويجوز إبقاء غيره ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ ( 2 ) البقرة : 43 ] ، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ ( 3 ) آل عمران : 97 ] . وقد بيّنت السّنّة أفعال الصّلاة والحجّ ومقادير نصب الزّكاة في أنواعها وقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [ ( 3 ) آل عمران : 7 ] تردّد لفظ ( الرّاسخون ) بين العطف والابتداء ، وقد حمله الجمهور على الابتداء للحديث السّابق أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [ ( 2 ) البقرة : 228 ] يحتمل أن يكون الوليّ ، وأن يكون الزّوج ، وقد حمله إمامنا الشّافعيّ على الزّوج ومالك على الوليّ لما قام عندهما . إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [ ( 5 ) المائدة : 1 ] للجهل حينئذ بمعناه ، وقد بيّنه بعد نزوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ ( 5 ) المائدة : 3 ] إلى آخره ، واختلف في قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [ ( 2 ) البقرة : 275 ] هل هو عام خصّصت منه السّنّة البيوع الفاسدة أو مجمل بيّنت السّنة ما أجمل منه ، أو عامّ اللّفظ مجمل المعنى على أقوال . وادّعى الحنفيّة أنّ منه : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ ( 5 ) المائدة : 6 ] لتردّده بين مسح الكلّ والبعض فبيّنه حديث مسح النّاصية ، وردّ بأنّه لمطلق المسح الصّادق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم ويفيده . النّوع التّاسع والأربعون : الاستعارة وهي نوع من المجاز لكنّها مختصّة باسم وحده ، وبعضهم يطلق على المجاز كلّه استعارة ، كأنّك استعرت اللّفظ من مستحقّه الّذي وضع له ونقلته إلى غيره ، ومنهم من يخصّها بما لم يذكر المستعار له وعرّفها أهل البيان بأنها مجاز علاقته المشابهة ، فإطلاق المشفر مثلا على شفة الإنسان إن كان للتّشبيه بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة ، أو